الخميس، 13 أكتوبر 2011

postheadericon من يرجع الدنيا لروعتها ؟

من يرجع الدنيا لروعتها ؟
جاء في الإحصائيات الحكومية أن نسبة حد الفقر في ولاية أو منطقة القضارف تجاوزت 90% وأن الوصفات والمعالجات الرسمية قد فشلت تماما في طرد الفقر من طرقات المدينة، هكذا أصبح الحال.

تتوسط مدينة القضارف منطقة زراعية خصبة التربة ، وفيرة الأمطار استهرت بانتاج الذرة والسمسم،وتزايد حجم الانتاج مع مرور السنين وتوسع استخدام الآلات الزراعية وإن كان هذا التوسع لم يكن دائما صديقا للبيئة ، مما يهدد بالتصحر التام في مستقبل ليس بعيد. وتمددت المدينة أفقيا في معظم الأحيان ورأسيا في حيان قليلة، وتضاعف سكانها مرات ومرات خلال أربعة عقود من الزمان ليخترق حاجز المليون بعد أن كا لا يتعدي العشرين ألفا. وغدت المدينة جاذبة للناس من مختلف مناطق السودان والبلدان المجاورة انصهروا جميعهم في بوتقة خاصة بالقضارف ، ونسجها المتميز. كثيرون من موظفي الحكومة الذين قدموا للقضارف طاب لهم المقام في المدينة وتخلوا عن وظائفهم الحكومية التي كان ثمنها فراق مدينة القضارف. وبالرغم من هذا الخليط من الأعراق والأجناس إلا أن القضارف ظلت محتفظة على الدوام بخاصية القرية الصغيرة من حيث التواصل والنكافل والتكاتف. كانت الأمور طيبة والدنيا رائعة وجميلة. عقب كل موسم حصاد كانت (اللواري) المحملة بجولات الذرة تغادر القضارف ميممة شطر الخلاوي والمسايد على امتداد الوطن حيث تفرغ حمولتها تصدقا وتقربا لله الواهب العاطي.
كانت القضارف بخريفها الذي يمثل غيضا من فيض العطاء الرباني الكريم مصدر إلها للشعراء، ففي عام 1931م أنشد الشاعر محمد بشير عتيق معارضا قصيدة(في الضواحي وطرف المداين) كعادة أهل الشعر في ذلك الزمان ، أنشد قائلا:
في الضواحي وطرف القضارف ** يلا ننظر صوفي البشير
ويقول:
الطبيعة الأرواحة ناسمة ** بالمحاسن تتجلى باسمة
للنشايد أطياره قاسمة ** لي كمايك أزهاره لاثمة
تيمتني ولي قلبي حاسمة ** وفي صحايف قلبي راسمة
حب شقيقة البدر المنير
ويواصل عتيق:
في المكارم نافسنا "معنى" ** فقنا "حاتم" حسا ومعنى
لو سيوف الهيجات لمعن ** للأعادي بئس المصير
وجاء إدريس جماع من بعد عتيق لتلهمه القضارف قصيدته الخالدة "الصدى الخالد" التي صاغها عام 1945م:
أمسيت أصداء وذكرى ** يا لحظة بالخلد أسرى
ثم يقول:
كانت حياتي كالربى في الصيف قافلة وحرى
واليوم صرت خريفها فاخضر منها ما تعرى
ومثلما كانت القضارف تمنح الحياة والخير للآخرين، فإنها كانت أيضا ينتج المبدعين مثلما تنتج الذرة والسمسم، فمن القضارف خرج شيوخ الصحافة السودانية.. محمد الخليفة طه الشهير بالريفي ، ورفيقا دربه عبدالله رجب ومحمد أحمد السلمابي اللذان عاشا فترة من الوقت في القضارف .. عليهم رحمة الله ورضوانه وأعقب هؤلاء جيل آخر من الصحفيين هم عوض برير الذي أحب القضارف فعاد إليها ملفوفا بعلم العراق وجريد نخيل العراق وحسب الله الحاج يوسف والصحفي الشجاع المرحوم أحمد طيفور الذي أثار في حياته الكثير من الجدل واللغط، والصحفي الشاعر المقل ابراهيم عوض بشير الذي بكى الناس معه سلماه:
أنا أبكيك للذكرى ** ويجري مدمعي شعرا
وشاعر مقل هو الآخر من أبناء المدينة الدكتور عبدالواحد عبدالله الذي يتغني أهل السودان بكلماته في كل مناسبة جميلة:
اليوم نرفع راية استقلالنا ** ويسطر التاريخ مولد شعبنا
والقضارف أنجبت بابكر الطاهر ذلك الفتى الذي كانت كلماته تقطر لوعة وأسى وحزنا نبيلا والذي آثر الرحيل المبكر بكبده المنفطر وحزنه النبيل:
في الليلة ديك .. لا هان علي أرضى وأسامحك ولا هان علي أعتب عليك
القضارف أنجبت الفنان عبدالكريم الكابلي وإليها ينتمي جزئيا الفنان الراحل أحمد الجابري الذي عاش فيها فجر طفولته وصباه ،وأنجبت المرحوم الطيار محمد عثمان همرور سكرتير نادي المريخ في سنوات السبعين وصديقه المرحوم علي الياس الذي كان سكرتيرا لنادي الهلال في نفس الفترة التي شهدت وشائج متينة من الود غير المسبوق أو المتكرر بين الناديين الكبيرين. وفي نفس مجال كرة القدم خرج اللاعب إمام عبدالرحمن ليصول ويجول في سنوات الستين في ملاعب أهلي مدني والمريخ و الاسماعيلي المصري. وأنجبت المدينة غير هؤلاء الكثير من العلماء والمهنيين والمبدعين الذين لا يتسع المحال لذكرهم.
ثم جرت مياه كثيرة تحت الجسور وأتى زمان غير الزمان وجرى الفقر طليقا في طرقات المدينة وأصبح المزارعون صناع الحياة ومصدر الجود والخير معوزين ، هجروا مهنتهم وباعوا دور عيالهم سدادا لديون ومكوس جائرة أتت على زرعهم وضرعهم وما يحصنون وأفضت بهم لفياهب السجون، ولما ضاقت بهم تلك السجون استأجر لهم اتحادهم دارا كبيرة لتصبح سجنا (قطاع خاص) حفظا لماء وجوههم في أول سابقة سابقة من نوعها أغفلتها موسوعة جينيس التي تعنى بالأرقام القياسية الشاذة والغريب في العالم، هي نفس الموسوعة التي فات عليها أن تضم في صفحاتها واقعة قطع إمداد المياه عن فرقة مطافيء مدينة القضارف بسبب عدم سداد فاتورة الاسهلاك بينما كانت روما نحترق.
تبدلت أشياء كثيرة. اختفت خلوة (ود أبسن) من على خريطة المدينة وهذه الخلوة لم تكن مأوى عاديا للغاشي والماشي وعابر السبيل يوفر الدار والأهل والعشيرة والأمان، ولكنها جزء من تراث المجتمع ضارب في القدم ، متجذر في التاريخ والوجدان. لو كان الظرف غير الظرف، والزمان غير الزمان لكان الحديث عن حد الفقر ومكافحة الفقر في القضارف أمرا مفرطا في العبث بمثل عبثية مكافحة التصحر في شيتاجونج ومكافحة الأمية في أمستردام ومكافحة الذباب في سنغفاورة ومكافحة الملاريا في سالزبورج، لكن الظرف غير الظرف والزمان غير الزمان والأزمنة الجديدة اجتاحت كل شيء وكل حي وأتت على الثابت والموروث.
وفي "طيبة" الطيبة التقيت (ع) أبرز ضحايا هذه الأزمنة الجديدة.. رأيته بنفس البشاطة والسماحة التي كان عليها قبل أن يمتلك الثروة وبعد أن امتلكها. جمع (ع) ثروته بالنحب الشاق الطويل الشريف بالأظافر، وكان الرجل يمثل قمة التكافل الاجتماعي في المدينة وكل المنطقة. أتت هذه الأزمنة على امبراطوريته فأصبحت قاعا صفصفا بعد أن كانت وكان ملء السمع والبصر. وقفنا في رحاب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام وفي مقام سيد الشهداء رضي الله عنه، وتوجهنا بالدعاء للقادر المقتدر مالك الملك الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء. دعوناه أن يرفع البلاء والأذى عن العباد وألا يسلط عليهم بذنوبهم من لا يخافه فيهم ولا يرحمهم. رجونا لله أن تعود القضارف سيرتها الأولى وأن يرجع الدنيا لروعتها.
(نشر أول مرة عام 1998م بعنوان "اغتيال مدينة" ثم نشر عام 2002م بعد تعديلات طفيفة بعنوانه الحالي)


0 التعليقات:

أصدفاء المدونة

أرشيف المدونة الإلكترونية